محمد بن جرير الطبري
370
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإذ ، كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام = إذا رفع " لباس التقوى " = : ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه ، خير لكم يا بني آدم ، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم ، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم ، هكذا فالبَسوه . * * * وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا ، فإنه : " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى " ، هذا الذي أنزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم ، والريش ، ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت ، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش ، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب ، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة ، كما فعل بأبويكم آدم وحواء ، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له ، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها . * * * قال أبو جعفر : وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، أعني نصب قوله : " وَلِبَاسَ التَّقْوَى " ، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت ، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش ، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت ، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال ، مع الإيمان به واتباع طاعته = ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ، وتعرِّيهم ، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خيرٌ من بعض . وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك ، الآيات التي بعد هذه الآية ، وذلك قوله : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ) وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب ، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي ، وبالإيمان به ، واتباع أمره والعمل بطاعته ،